|
ولد مانيفرد
كوبسيل في منتصف ليلة من صيف عام
1937م في مدينة
برلين لوالدين ألمانيين نصرانيين ، لكنه لم يسعد طويلاً
بالحياة الأسرية ، إذ لم يكد يبلغ الثانية من عمره ،
حتى شبت نيران الحرب العالمية ، وأتت – ضمن حصادها
المشئوم – على جميع أفراد أسرته الصغيرة ، فلم يبق
منها سواه .
يتم مبكر :
هزت مأساة اليتيم الصغير قلب أسرة بديلة ، فاحتضنته
وعطفت عليه ، وعاش معها بين أبنائها كفرد منها حتى حصل
على الشهادة الثانوية العامة عام 1955م ، وانتقل إلى
الجزء الغربي من مدينة برلين ، التي كانت قد قسمت إلى
شطرين ، يسيطر على كل منهما أحد جناحي الحرب المنتصرين
: السوفييت ، والولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها .
من برلين انتقل مانيفرد كوبسيل إلى بلجيكا ، والتحق
بكلية المعلمين فيها لمدة عامين ، عاد بعدها عام 1957م
إلى بلاده ، ليعمل فيها لمدة أربع سنوات ، وما لبث عام
1961م أن تعاقد للعمل في تركيا مدرساً للغة الألمانية
في كلية أتاتورك بلواء الإسكندرون ، واستمر في هذا
العمل عامين ، سافر بعدهما إلى تونس ، حيث كان أحد تلك
الأسرة التي احتضنته في طفولته وربته يعمل هناك .
في تونس الخضراء
في تونس افتتح مانيفريد مدرسة لتعليم اللغات ، وشاءت
عناية الله أن يلتحق بالمدرسة سبعة طلاب من عائلة
تونسية مسلمة ، مشهورة وعريقة الحسب، فكانوا متميزين
بالخلق العالي والأدب الرفيع، إضافة إلى ما حباهم الله
من ذكاء فطري حاد ، مما لفت انتباهه . فسألهم من أين
لهم مثل هذا الخلق فكانت إجابتهم جميعاً واحدة : من
الإسلام يا أستاذ ، فنحن مسلمون .
كانت هذه الإجابة محل حوار ومناقشة بين المدرس
النصراني وتلاميذه المسلمين ، إذ قال لهم : إنه التقى
كثيراً من المسلمين في أوربا وتركيا إلا أن أحوالهم لم
تعجبه ، وهنا شرح له تلاميذه كيف أنه يجب التفرقة بين
ما يحتوي الإسلام من قيم ومبادئ ومثل عليا ، وما هو
عليه حال المسلمين اليوم ، مؤكدين أن المسلمين لا
يماثلون جميعاً أولئك الذين التقاهم سابقاً ، وأن هناك
كثيراً من المسلمين يطبقون تعاليم الإسلام وقيمه
النبيلة في حياتهم ومسلكهم ، ويعطون القدوة لما يجب أن
يكون أن يكون عليه حال المسلم المؤمن قلباً وقالباً
بقيم الإسلام .
تعرف الإسلام :
أذهلت هذه الإجابة مانيفرد ، ولم تكن معلوماته عن
الإسلام تسمح له بأن يعرف أو يتفهم حقيقة تلك القيم
التي جاء بها الإسلام ، لذا سأل تلاميذه أن يحدثوه عن
هذه العقيدة التي أكسبتهم مثل هذه الأخلاق العالية
وسلَّحهم بالقيم والفضيلة .
رحب التلاميذ بالسؤال ، وشرحوا له كيف أن الإسلام آخر
الرسالات السماوية وبه يكتمل الدين ، وتختتم النبوة ،
لأنه على عكس غيره من الرسالات السابقة موجه إلى
الشعوب كافة وليس إلى شعب بعينه ، وأوضحوا له كيف أن
القرآن الكريم هو كلام الله أنزله – عز وجل – على عبده
ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ، مصدقاً لما بين
يديه من الحق . وتطوع أحد التلاميذ بإهداء مانيفرد
نسخة من القرآن الكريم ، تقبلها شاكراً ، لكنه استدرك
مشيراً إلى عدم معرفته اللغة العربية ، ومؤكداً على
أنه سوف يرسل إلى ألمانيا ليطلب نسخة من ترجمة لمعاني
القرآن الكريم باللغة الألمانية .
قراءة ترجمة معاني القرآن
لم تسع مانيفرد الدنيا من الفرحة حين جاءته نسخة
مترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الألمانية ،
فتسلمها آملاً أن يجد الفرصة المناسبة لقراءتها ، إلا
أن مشاغل الحياة استبدت به وصرفته عما انتواه ، إلى أن
جاء يوم رأس السنة الميلادية لعام 1966م ، حيث ذهب مع
ابن الأسرة التي كانت قد ربته ، إلى الحفل السنوي الذي
اعتاد النصارى إقامته نهاية كل عام بهذه المناسبة ،
وشرع – كعادتهم – في استقبال العام الجديد باحتساء
الخمر ، لكنه ما كاد يرتشف من كأسه رشفتين حتى أصابه
ألم شديد لم يقو عليه ، وراح في غيبوبة .
أفاق مانيفرد من غيبوبته ليجد نفسه على سريره في منزله
؛ إذ قام رفيقه بنقله إليه عقب الإغماءة ، وعلم من
رفيقه أنه أمضى ليلة كاملة في غيبوبة ، ونصحه الطبيب
بالبقاء في الفراش إلى أن يسترد صحته .
وشعر وهو جالس في فراشه برغبة شديدة في القراءة حتى لا
يمر الوقت متثاقلاً ، فنظر حوله فإذا عيناه تقعان من
أول نظرة على ترجمة معاني القرآن الكريم ، وكأنها – أي
الترجمة – تدعوه إلى قراءتها ، فأمسك بها وشرع يقرأ .
لم يستطع مانيفرد أن يترك ترجمة معاني القرآن الكريم ،
وكأن هناك هاتفاً خفياً يدفعه إلى إكمال قراءتها ،
واستغرق ليومين مع هذه الرحلة الروحية ، وما كاد ينهي
القراءة حتى شعر بروح جديدة تسري في عروقه ، وشيء غامض
يهتف في داخله بأنه مسلم ولا ينتمي إلى النصرانية .
إشهار إسلامه
خلص مانيفرد لترجمة معاني القرآن الكريم إلى أن
الإسلام هو دين الحق ، ولم يضيع وقته طويلاً ، إذ توجه
إلى سماحة مفتي الجمهورية التونسية الشيخ محمد الطاهر
بن عاشور ، وأعلن إسلامه في حضوره .
اختار المهتدي الجديد اسم " أحمد عبد الله كوبسيل "
ليكون اسمه في مولده الجديد ، ,أحس بأن مهمته في
الحياة قد تغيرت ، وأن عليه طلب العلوم الشرعية ليتفقه
في دينه وليكون داعية للإسلام ، وكانت خطوته الأولى
بيع مدرسته الخاصة كي يتفرغ لطلب العلم .
دراساته الإسلامية والعمل بالدعوة :
التحق أحمد عبد الله كوبسيل بالجامعة الإسلامية في
الدار البيضاء عام 1967 / 1968م ، لكنه لم يوفق فيها
على النحو الذي كان يأمله ، فغادرها إلى مصر ليلتحق
بالجامعة الأزهرية ، ظناً منه أن الدراسة فيها دينية
صرف ، لكنه وجدها تُدرس إلى جانب علوم الإسلام علوماً
عصرية ، فتركها مهاجراً إلى الباكستان ، وهناك التحق
بمعهد يتبع الاتحاد العالمي للدعوة الإسلامية يسمى "
معهد العليمية " في مدينة أبوت أباد بالقرب من كراتشي
.
استفاد أحمد عبد الله كوبسيل كثيراً من إقامته في أبوت
أباد ، ذلك أن سكان المدينة الصغيرة يكونوا – عادة –
أقرب إلى الفطرة من سكان المدن الكبرى ، لذا شدته
حماستهم للإسلام ، وحسن فهمهم له ، مما ساعده كثيراً
في تعرف جوانب مضيئة من العقيدة الإسلامية من خلال
المواقف العملية .
كذلك من حسنات إقامة المهتدي الجديد في مدينة أبوت
أباد لقاؤه فيها بالداعية الألماني المسلم د. علاء
الدين شلبي ؛ حيث أثمر لقاؤهما عن إنشائهما مركزاً
للدعوة في أبوت أباد ، يضم معهداً لتدريب المعلمين ،
وداراً لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين .
إن أحمد عبد الله كوبسيل نموذج للإنسان الذي اتبع
فطرته ، ولم يكتف بأن لبى نداء الحق ، لكنه أدرك أن
دوره ، بوصفه مسلماً ، لا يقتصر على مجرد أداء فروض
الإسلام ، لكنه يتعدى ذلك إلى خدمة إخوانه في الله ،
والقيام بواجب الدعوة إلى الله بين غير المسلمين ، وقد
وفقه الله – عز وجل – في عمله لتأدية هاتين الرسالتين
، لأنه قام بهما انطلاقاً من روح حرة مؤمنة لا تبتغي
أجراً سوى من عند الله |