قراءات في الأدب الفلسطيني المقاوم /
للناقد والشاعر
الفلسطيني رمضان عمر
*1
الفصل
الأول
اعلم ،مسبقاً، أن طَرْقَ موضوع الأدب المقاوِم، في زمن تداعت –فيه-
الأكلَة على قصعتها، وسُيِّست مفاهيم النقد والأدب ؛ لتنسجم مع
تطورات "الواقعية السياسية العالمية"؛مغامرة نقدية محمومة، ومسيرة
شائكة عصية ، تجدف عكس تيارات التجديد المزعومة؛ من شأنها أن تفتح
أبواباً..أراد لها قراصنة النقد الموجَّه أن تبقى موصدة.
وكنت أعلم ، أيضا، أن مزاجية النقد "الدبلوماسية " التي تشكلت عبر
إمكانات نمطية هائلة ،ستفرض نوعاً من الإلزام النصي المقروء ؛ سواءٌ
أكان ذلك في عالم الإيداع الفني أم في عالم النقد الأدبي
الخالص؛وستقلل من قدرات هذا النص الاختراقية .
ومن هنا ، فإن مجرد التفكير في طرح هذا الموضوع - على الرغم من وضوح
دلالاته ، وشرف غاياته، وسلامة مساربه - يثير في النفس مكامن القلق،
ويطرح عليها أسئلة ثقيلة ، تلخصها عبارة فطرية قلقة : هل تستطيع
ذلك؟…
ولا أنكر على النفس هذا التموج الذهني والقلق النفسي؛ فمعركة
النقد حامية الوطيس ،وقادة المحاور،شانها شأن سائر المعارك التاريخية
الكبرى؛ خصوصاً، إذا كان الموضوع الجدلي في الخصومات النقدية سياسي
الواجهة.
فالقضية النقدية التي نفرش لها بساط البحث، سياسية المعامع ،
أيديلوجية المقاطع ، ومهما حاول المعارضون سلخ التصورات الفكرية
والسياسية والفلسفية عن النصوص الأدبية المخلوقة ؛ فإن طبائع الإنتاج
وحقائق الوجود تفرض نوعا من الإلزام" السيو فكري" في دراسة النص
الأدبي المكتوب ، وتستدعي نوعا من القراءات الظلالية حول خلفيات النص
المبدع.
عندما يتناول أديب مرموق نصاً أدبياً …يخرج فيه عن هموم الجمع
إلى قضايا الذات البحتة ؛ فأن النقد المنصف لا ينكر على الأديب ذلك
الفعل ، بيد أن السؤال المتمرد الذي يقف للنص في أخر سطر يخرج به
الكاتب من نصه ، سينتصب شامخا ليقول للكاتب : لماذا ….؟
ومن هنا لم يستطع النقد الحديث في بدايات القرن المنصرم أن يتصور تلك
المزاجية الشوقية ؛عندما غص شعر "شوقي "بمدح أقطاب العائلة الخيدوية
الحاكمة بعشرات النصوص ،ثم إذا ما جاءت قضية وطنية عليها إجماع شعبي
واسع ليمر عليها مرور الكرام ويطرقها على عكس ما تشتهي الجماهير؛
فيقول في الزعيم العربي المشهور أحمد عرابي :
صغير في الذهاب وفي الإياب أهذا كل شأنك يـا عرابي؟
نعم، قد يقول قائل: من حق شوقي أن يقول ما يريد ،ويعبر عن آرائه
الخاصة في الأحداث السياسية أو الاجتماعية أو الحياتية ؛ بيد أن
النقد لن يكون ساذجا ليقبل بهذه البساطة في التعليل .
وكذلك ،حين نتابع النصوص الدرويشية الأخيرة -منذ غزو لبنان حتى
يومنا هذا؛ فأننا نلمح تمردا جذريا على التاريخ الدرويشي المشكل
لقصيدة الشعر المقاوم في ذاكرة التاريخ الأدبي للشعر الفلسطيني
المعاصر ،؛ فمنذ أن كتب درويش ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيدا
"؛داخلا من خلاله في عملية بناء تجربة شعرية جديدة؛ تبلور الذات
،وتؤرخ للسيرة، وتنسلخ من الطبيعة الشعرية المقاومة انسلاخا يفصل
بين عهدين ؛ والنقد الفلسطيني يقف حائرا أمام جدليات النص المتغير
؛مما جعل النقاد ينظرون إلى تلك النصوص على أنها تطورات فنية لمجنون
التراب المتيم بالوطن وكأنهم -بتوددهم ذلك للشاعر الكبير - يعلنون عن
ضعف قدراتهم الاستقلالية ، وعجز إرادتهم النقدية ؛ لأن الشاعرية
الدرويشية في نظرهم اكبر من أن تنالها أقلامهم المتواضعة ، قهم لا
يتناولون من النصوص الدرويشية إلا ما يرفع مصافهم أمام الكبراء
ويرضي عنهم أصحاب السيادة والسلطان.
وقد عمق هذا التناول الدرويشي لموضوع الشعر الذاتي ، وذلك
التحول الجذري من الهم الجماعي إلى بناء شخصية المتنبي ،-( لكن ليس
في بلاط سيف الدولة بل من خلال عبق الشهداء وصفصاف الأرض) -الهوة بين
النص الدرويشي في عصر القصائد الوطنية والنص الدرويشي المحدث في
باحات مدرسة ما بعد الحداثة ، لتصبح هالة التطور الجمالي في النص
الإبداعي المكتوب أخر إيمان ثقافي تقر له بلابل درويش الشعرية ؛فكان
سرير الغريبة بموضوعه العاطفي وخصوصياته الدرويشية ووحدة قصائده
الموضوعية – بعد أن استقامت للشاعر لذة الاستقرار من خلال قصيدة
الوطن والمقاومة –ليؤكد ذلك التحول الشمولي ، ولا ننتظر كثيرا حتى
يتأكد هذا الانطباع بصورته النهائية عندما ندخل في جدارية الموت
وبناء الأنا الشاعرية من خلال النص الذي أراد له درويش أن يكون نصا
فوقيا مقدسا :
أنا الرسالةُ والرسولُ
أنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ
سأصير يوماً ما أريدُ
انا لا ألوم درويش على هذه الانزوائية ، ولا انكر عليه ذلك الرونق
الساحر الذي يجعلني اعاود الكرة بعد الكرة في كل نص درويشي جديد
أقرأه فليس بيني وبين الرجل خلاف جمالي ، بيد أنني لا أتوقع منه غير
ذلك ((حين يبحث لنفسه عن موقعية فنية ، داخل الابداع الذاتي)). ولا
تظللني الدهشة ، ايضا، حينما اتابع انهماكه في بناء سلطته الشعرية
بعيدا عن النص المقاتل ؛ فدرويش نفسه طالب الجمهور أن يعذره ويسمح له
بهذا الانزلاق الذي يسعى إليه مستفيدا من " مسطبة الفعل المقاوم" ،
بيد انني أنكر على النقاد اعتبار درويش رمزا فريدا للشعر المقاوم
وقراءة وحيدة لفلسطين التاريخ والحاضر .
فدرويش نفسه ، أعلن عن نفسه : أنه "يتكلم
شعرا ولا ينحدث عن عملية السلام ، وشعره يسعى إلى الخروج عن دوره في
تمثيل الجماعة شعريا أو بالطريقة التقليدية ؛لأنه-كما يزعم- في
مرحلة ثقافية حساسة ؛ لذلك فعلى المفردات أن تكون دقيقة".
تلك المرحلة الثقافية الحساسة ، التي لا تسمح للنقد أن يعطيها
توصيفا ابعد من دلالاتها الفردية على شخصية درويش الشاعر والإنسان ،
وليست أبدا وصفا لثقافة درويش الرمز والمقاومة؛ولا ثقافة فلسطين
التاريخ والكيان؛ فدرويش بشاعريته العملاقة يمكن اعتباره رمزا
للهالة الشعرية الجمالية ، بيد انه –من حيث دلالة الشخصية على الفعل
المقاوم- فرد من افراد الأقلية في التعبير عن فلسفة الجمع بين واقعية
الحل السلمي وجدلية الصراع المختزل في دلالة الواقع الفلسطيني
المرير ، هذا الخلط الساذج بين الشعرية العملاقة والانتمائية
المحتملة هي التي جعلته يدلي بهذا الاعتراف الخطبر-دون ان يثير ذلك
في أذهان ناقديه مواطن الاستغراب :
"وأنا أَعتَبِرُ نفسي وريثاً لكلّ هذه
الثقافات، ولا أتضايق، البَتَّةَ، في التصريح بِوُجود جزءٍ يهوديّ
فِيَّ. لا أستطيع أن أتَصَوَّر امتلاكا حصرياً لهذه الأرض. أنا
أَرُدُّ على الإسرائيليين الذين يَدّعون أنهم يمثلون امتداداً
لِمَملكة إسرائيل بالقول بأني امتدادٌ للكنعانيين. لا أريد أن أقول
إنني كنت هنا قَبلَهُم، أنا أقول فقط: أنا منتوجُ كلّ هذا
وأَقْبَلُهُ وأضطلع به".
محمود درويش يريد لنفسه مقاسات ثقافية خاصة تناسب المرحلة وتسمح –
له- ببناء هالته الشعرية من خلال متطلبات المرحلة ، وهي مقاسات تخالف
الأصول الدينية والقومية وحتى السياسية لجمهوره القارئ ؛ فهو من
الناحية الدينية أوغل في النص المسيحي ، وتخفف من اثر الثقافة
الاسلامية في شعره، بل عبث في غير موضع بقداسة الكلمات الدينة .
. يقول: "لديَّ كُلُّ الأسباب التي تدفعني
لاعتبار المسيح صديقاً شخصياً. إنّه ابنُ البلد، فهو من "الناصرة" في
الجليل. ثمّ إن رِسَالَتَه بسيطةٌ جدا، رسالةُ السلام والعدالة. فهو
في أَمثالِهِ (القصص القصيرة ذات المدلول الأخلاقي، والتي تَرِدُ
بشكل أكبر في الأناجيل الأربعة. يتحدث كما لو كان شاعراً. فهو في حدّ
ذاته حالةً شعرية: يريد تَدجين السجّان من خلال مُهَامَسَتِهِ، بل
وحتى معانقته، فهو يُواجِهُ العنفَ بالرِقَّة. إنه صديقُ الضعفاء،
والمحرومين، والمنعزلين. وهو في هذا رمزٌ للتسامُح ولِوَحْدة
البشرية. وأخيراً، هو صورةُ المعاناة. وبما أنه كذلك، فهو يُلهِمُنَا
ويمنحُنَا الشجاعة. لأنّ الشعب الفلسطينيَّ، اليومَ، هو الموضوعُ على
الصليب بسبب سياسة الاحتلال الإسرائيلي. لقد أصبحَ موتُ الفلسطينيّ
مسألة غير مهمة مثلها مثل النشرة الجوية (الطقس)، وغزوُ أمريكا، التي
وضعت نفسها فوق القانون، للعراق لم يعمل إلاّ على إضفاء القداسة على
وضعية الاحتلال."
وعن السبب الذي يجعل درويش يذكر المسيح أكثر مما يذكر النبيّ
محمد-صلى الله عليه وسلم-، يقول: "لأني
أُحِسُّ بأني أستطيع أن أتَحدَّثَ عن أحدهما بِحُرّيّة، بينما
أَشْعُر كما لو أنَّه توجد رِقَابَةٌ مَا حين أتحدث عن الآخَر. وبما
أنّه تمّ قبول الفصلُ بين الدينيّ والسياسيّ في المسيحية، فإنه يبدو
سَهْلاً مُحَاوَرَةُ المسيح. لقد استطاع الفنّانون أن يُصوّروا
المسيحَ أشقَرَ، أَسْمَر أو أسودَ، ولكني لا أستطيعُ أنْ أتَخَيَّل
"محمدا" إلاّ عربيّا.
هذا التصور الديني الذي شكل جزءا واسعا من ثقافة درويش اثر على
المساحة الثقافية الوطنية في قصائده المتأخرة ؛وخصوصا، حينما غدت
الساحة الفلسطينية رهينة التاثير المباشر للصحوة الإسلامية التي
يختلف معها درويش ، وتحولت-معها- مصطلحات الفعل البطولي السائد من
الفعل الطروادي المذبوح" الضحية المطلقة" التي تغني بها درويش في
احمد الزعتر وماجد ابو شرار الي جهادية الشكل الأصولي في بطولات يحي
عياش وفتحي الشقاقي
لا يستطيع درويش أن يتناول الفعل المقاوم بواجهته الإسلامية التي
تقود معركة الوجود بين ترهات العهد القديم المزورة وحقائق الإسلام
المزلزلة ؛ وهو النقيض المباشر لهذه الضحوة ؛ إذا فإن كان الوطن يعني
إسلامية الأرض وعبق الشهادة فلا مكان لدرويش في هذه المعادلة
ومن هنا كان التناقض في الانتمائية الدرويشية لقصيدة المقاومة حين
تعارضت تلك القصيدة مع بطولات الإسلاميين ؛ فعزف عنها بطريقته
الخاصة
: "أنتَ كشاعر فلسطينيّ، شَاهِدٌ على
مأساة شعبِكَ وكذلك شاهد على الإيمان بالإنسانية. وكلمة "شَاهِد" هي
المعنى الأول لكلمة "شَهِيد". والذين يقومون بعمليات-انتحارية
يُطْلَق عليهم أيضا "شُهَدَاء". كيف يمكن أن نكون شهيداً ونتسبَّبَ
في موت أشخاص أبرياء؟
يجيبُ محمود درويش: "كذلك في القرآن، كلمة "شهيد" تعني أيضاً
"شَاهِد". يوجد خلطٌ في تحديد العمليات الانتحارية. وهنا لا يتعلّق
الأمرُ بـ"شهداء" ولكن بـ"انتحاريين"
Kamikazes.
وفي الحروب، يوجد انتحاريون
kamikazes
في كلّ الأطراف. إنّ كلمة "شهيد" كلمة مفتوحةٌ جدا. المسيحُ ومحمد
الدُرّة والشعب العراقيّ الذي هَلَك تحت القنابل "الذكيّة"
الأمريكية، هم شهداء، لأنهم يَشْهَدون بإنسانيتهم في وجه الرُّعب
والبربرية. الانتحاري
Kamikaze،
في نظري، هو من يمنح حياتَهُ من أجل قضية يعتقد أنها عادلةٌ. أنا
أَدَنْتُ، ولم أَكُن الوحيدَ، العمليات الانتحارية
kamikazes
التي تَسْتَهْدِف مَدَنِيّين. الإسلاميون يَرُدّون بالقول :إنّ
الإسرائيليين يقتلون هُم أيضا مدنيين (فلسطينيين). وجوابي هو: ليس
علينا أن نفعل مثلهم (الإسرائيليين)، لأننا إن فَعلْنَا مثلهم، فما
هو الفرقُ بين الجلاّد والضحية؟"
وكذلك من المواقف التي تدل على عدم تعمق المفاهيم الدينية
لدى بعض الأوساط الثقافية ما ذكرته الشاعرة فدوى طوقان في الجزء
الثاني من السيرة الذاتية " الرحلة الأصعب " عن حقيقة السيد المسيح
عيسى –علية السلام – ففي لقائها مع جريدة "جورزالي ستسليا " سألها
المستعرب البرفسور ( ارتسيتاتو) قائلا :
"
أنت مسلمة وقد كتبت بعد الاحتلال إلى السيد المسيح في عيده لماذا إلى
السيد المسيح ؟"
قالت :" أولا نحن المسلمين ، نؤمن بنبوة المسيح ، ثانيا –كان السبب
في كتابتها ذلك كون السيد المسيح أول فدائي شهيد فلسطيني
".
وليس كذلك التصور الإسلامي حول قصة عيسى عليه السلام ، إذ
يذكر القرآن الكريم قصة الإدعاء المزعوم بموته :
بسم الله الرحمن الرحيم (
وقولهم أنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما
صلبوه ولكن شبه لهم ، وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ، وما لهم به
من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ، بل رفعع الله إليه وكان
الله عزيزا حكيما
) صدق الله العظيم
واضح أن الشاعرة لم تعتمد على الآية القرآنية في إجابتها
السابقة ، وهذا يدلل على دخول شوائب فكرية فيما يتعلق بالجانب
العقائدي في حياة الشاعرة ، ولعل هذا يؤكد أن الشاعرة لم تأخذ قسطا
وافرا من التربية الدينية ، فوالداها لم يعتنيا بتربيتها تربية
أصولية خالصة ، بل لعل التشدد الفكري الذي تأففت منه الشاعرة في
البيت المحافظ كان وهما وعلى عير ما صورته الشاعرة ؛ فالإسلام الذي
نفرت من الفتاة في صغرها بقي بعيدا عن إدراكها ، ولم تنل منه شيئا لا
في الصغر ولا في الكبر.
أما إبراهيم ، معلم الشعر والأدب لم يكن صاحب فلسفة دينية
واضحة يدعو لها في شعره أو من خلال منابره الجامعية ؛ بل لعل نظرة
سريعة إلى طبيعة اهتماماته تبرز قدرا كبيرا من الحياة العابثة وبعدا
واضحا عن أصولية التوجه الديني ، ومن هنا فإن نفور الشاهرة من الدين
قد يكون له سبب غير ما ذكرته الشاعرة ، ولعله يتعلق في مجمله بنضابة
الإدراك وقلة المعلومات عن هذا الدين الذي لم تتوفر- عند الشاعر –
الحوافز الدافعة للاهتمام به ؛ فبقي مجهولا أمام ذاكرة الشاعرة
المنشغلة ، أصلا ، بهموم رأت فيها غاية ما تصبو إليه وتكافح من أجله
، والدين يتعارض مع كل تلك الأهواء المنشودة؛ لذا لا بد من تحيده من
أمام الوعي المشدوه نحو الملذات التي تعشقها الشاعرة وتحن ‘ليها.
هذه الثقافة الفلسطينية التي لفعت عددا من الشعراء اليسارين
الذين عرفتهم الساحة الفلسطينية خلال عقود أربعة – شهدت غيابا شبه
كلي لأصحاب الفكر الإسلامي عن دور النشر ومحافل الثقافة والادب-
وعرفتهم الأقلام النقدية على أنهم شعراء المقاومة ثم لما انقلبت
الموازين وهبت موجة الفكر الاسلامي المعاصر لم يعد بوسعهم متابعة
النهج الشعري "المقاوم" في ظل تحول الراية من يد اليسار الثقافي إلى
أدبيات الفكر الإسلامي المجاهد
ومن هنا لم يستطع درويش ان يتناول من صفحة الابداع الاستشهادي غير
محمد الدرة ؛ لان تناول عياش وطوالبة ورائد الكرمي وصلاح شحادة هدمٌ
جريء للثقافة التغريبية التي آ"من بها درويش في مدرسة التعايش
الاشتراكي مع( الركاحيين) في المثلث أو فيما يحب ان يسميه بعض مثقفي
اليسار"عرب اسرائيل"
حتى قصيدتا "محمد الدرة"، و"عابرون في كلام عابر" لم تكونا
مصادر طمأنينة لدرويش بل كانتا هما فرضته حاجة الجمهور المراقب ،
مما دعاه الى الاعتذار عن الأولى والوعد بحذفها ، والمراوغة
السياسية في الحديث عن الثانية ؛يقول درويش:
·
"أنا متورط مع محمد الدرة، داخليا، وليس
بمعنى المطالبة الخارجية. يمكن أن نكون هناك إصغاء إلى مطالب خارجية.
وهذا أمر موجود في لا وعيي، وفي وعي أي واحد فينا، لكن هذا الموضوع
لا يشكل أسلوبية جديدة، ولن يغير مشروعي الشعري الذي أتابعه. فأنا
أعرف ما لدي.
·
وقد يتصور القارئ أن قصائد درويش التي نتحدث عنها هي من النوع الثقيل
الذي يقلق الاحتلال ويزلزل أركانه ؛ذلك وهم تبدده نظرة عاجلة الى
احدى القصيدتين التي تمثل النمط الدرويشي في الشعر" المقاوم " أعني
طروادية المشهد الماسوي الذي يتعاطف معه انسانيا دون التدخل المباشر
في انشاء قصيدة الفعل المقاوم فهو هنا يتحدث عن المأساة دون تناول
المشهد الابداعي في ثورة الاقصى التي كان محمد اثرا من اثارها :
أيها المارون بين الكلمات العابره
منكم السيف - ومنا دمنا
منكم الفولاذ والنار - ومنا لحمنا
منكم دبابة أخرى - ومنا حجر
منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقص.. وانصرفوا
وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداء..
وعلينا، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء!
وكذلك حين تناول في ديوانه الاخير (حالة حصار) - الصادر في ابريل
2002عن دار رياض الريس - موضوعا قد ينظر اليه للوهلة الاولى على أنه
عودة للشعر المقاوم وانعكاس لواقع الحياة الجمعية المؤلمة ، لم يثلج
صدور متابعيه إذ سرعان ما تبددت هذه الملاحظة حينما نكتشف أن
محمود درويش محاصر ب(الهالة) وليس محاصراً ب(الحالة) وتلك حالة
حصاره.فدرويش منذ وقت بعيد يسعى ليكون بعيداً عن القصيدة المناسباتية،
والقصيدة الوطنية كما يطرحهما السائد الشعري، وقد حاصر نفسه بايجاد
المعادلة الفنية من أجل خلق النص الشعري "الحقيقي الذي لا يرسف
بالقيد"-على حد تعبيره - ، نص يُحلّق بجناح الشعر والفن دون أن يثقله
الموضوع، أو يهبط به هبوطاً قسرياً
اذن درويش كتب أخيرا النص الذي يريده وتخلص من عقدة المطالبة
الجماهرية واستراح لذاته عندما خلا ميدان الوطن من فرسان اليسار
واصبح المجد فيه لسواعد النص المجاهد مما جعله يعزف عن النقد
السياسي عزوفا يحمل في ثناياه كبرياء
الواصلين واستغناء المتنفذين
"فما لا يعنيني نوعان من النقد: النقد
المدرسي الذي يبسط الدلالة ولا يميز بين صورة الشيء وطيفه، ويشرح
القصيدة شرحا بلاغيا مدرسيا، هنا استعارة وهنا كناية وهنا معنى وهنا
مبنى.
.إلخ.
والنقد الثاني الذي لا يعنيني هو النقد السياسي المباشر الذي يفسر
الأندلس بأنها مؤتمر مدريد، ويخلط بين غرناطة 1492 وأوسلو
1993.
ومن خلال الرسالة التي أرادها درويش لنفسه كشاعر وصل إلى ما يصبوا
إليه وانتظر ساعة الحسم في قول النقد ما تشتهي أذنه أن تسمع؛ فهو فوق
النقد عندما يكون النقد نقدا تنقيبيا والنقد ذراعه الأيمن حينما
يخرج النقد ليقول : هذا هو درويش!! .
أقول ليست لنا خلافات جوهرية مع النص الدرويشي الذي نحترمه
ونقدره – على الرغم من أننا نجد أن لنا حقا في محاكمة النص المبدع
بغض النظر عن قائله ؛ فكل يأخذ منه ويرد إلا صاحب ذلك القبر "محمد
صلى الله عليه وسلم "
إذا فالموضوع عندنا هو النص المكتوب بغض النظر عن كاتبه .لماذا
طرق في هذه اللحظة الزمنية ولم يطرق في لحظات أخر ؟ ولماذا كانت
الذات عالية أمام ضجة الفعل السياسي ؟ كيف يعقل أن تمر أقلام
العمالقة الموهوبين على قضايا الأمة مرورا لا يسمح لها ولو بالتفاتة
قصيرة!! .
ولماذا كان الشعر الفلسطيني المقاوم هو العنوان الأوضح في المرحلة
الثورية الاشتراكية بينما تصبح الذاتية الغامضة والرومانسية الجنوحة
هي موضوعات الإبداع في عصر العولمة والانفراد السياسي للقطب الواحد .
ومن هنا ، نستطيع أن نقول : إن موضوع الأدب المقاوم يعود ليطرح نفسه
ثانية أمام إبداعات الأدباء المشهورين ممن يعيشون داخل الواقع
السياسي المرير وينأون بكتاباتهم عن ملامسة هذا الواقع وإدلاء دلوهم
فيه وهو كذلك يقف أمام تلك الدراسات النقدية التي استجابت لتطبيع
النقد والأدب سياسيا
لماذا لا يتناول النقد النص الدرويشي بكافة الدالات
الممكنة في إطار التطورات الشعرية ؟ لماذا تسلط الاضواء على الشعرية
الدروشية المتألقة وتترك قضايا التحول المغولة لتصل إلى غاياتها
المروعة خارج نطاق المراقبة النقدية .
انا –كغيري –من الذين تابعوا النص الدرويشي من بداياته وجدت كما
وجد الاخرون تالق العبارة الشعرية واكتمال النمط المراد وانفراد النص
الدرويشي بما يمكنه من دخول عالم التميز الجدير . هذا اذا كنا نتحدث
عن الشكل الجمالي المجرد فانا يروقني درويش كما راقني من قبل دانتي
وجوتيه واقبال والمتنبي واكرؤ القيس والمعري في قدرتهم على الصياغات
الفريدة شكلا مع التمايز في الدالات الفكرية والخلفيات الفلسفية لدى
المتنافسين .
عندما أقرأ درويش واقارن بين زمنين لا أستطيع أن أقف على مجرد
التطور الفني في قصيدة ما بعد الحداثة ؛ فمن الطبيعي أن تتطور
التجربة الشعرية لدى شاعر اكتملت له أدوات النص الإبداعي بعد سنوات
نافت على الأربعين .
كانت الحلقات المشكلة للتجربة الأولى في النصوص الدرويشية تؤكد
حقيقة موضوعية واحدة هي أن لا ثقافة بدون مقاومة ولا مقاومة بدون
ثقافة ، وكانت القصيدة الدرويشية تبنى على فلسفة التحدي القائم على
جدلية الإصرار والمواجهة
سنخرج من معسكرنا
ومنفانا
سنخرج من مخابئنا
ويشتمنا أعادينا
هلا … همج ….عرب
نعم عرب ولا نخجل
هذه الثورية القومية التي حولت الوطن سابقا - عند درويش -الى حالة
ذهنية استقطبت كافة الرموز لتكون واجهة القصيدة الفلسطينية المتكررة
، ويصبح الشعر المقاوم-من خلالها- نمطا مميزا للقصيدة الفلسطينية
الفاعلة، وعلى نفس الوتيرة الصوتية كان يصرخ سميح القاسم :
ربما تطعم لحمي للكلاب
ربما تلقي على قريتنا
كابوس رغب
يا عدو الشمس
لكن لم أساوم
وإلى أخر نبض
في عروقي سأقاوم
نعم كان هناك نص مقاوم عند درويش وإيمان بالفعل المقاوم،
أيضا، إيمان يصل إلى حد الاعتقاد الراسخ الذي يعتبر الخروج على هذه
الشاكلة الشعرية نوعا من الخيانة المرفوضة
يقول درويش في إحدى مقالاته: " إن رفض
القتال العادل معنا ه رفض الحرية والتحرر " فهل قرر شعراء المقاومة
أن السعي إلى الحرية والتحرر يستحق التنديد ورفض المقاومة المسلحة
وقد أثار الدكتور عادل الأسطة جملة من التساؤلات حول موجة
التغيرات والتنازلات التي طالت النصوص الشعرية الدرويشية الأخيرة
وتساءل عن تلك الأسباب التي دعت درويش كي يحذف ويغير حتى في نصوصه
القديمة التي كتبت ونشرت وانتهى أمرها ، و في مقابلة مع درويش بتاريخ
14\5\1993، يقول درويش: لقد ركز البعض على
عبارة "معاهدة الصلح " في قصيدة " أحد عشر كوكبا على أخر المشهد
الأندلسي " وأول تلك المعاهدة المتصلة بسقوط غرناطة معتبرا أنها مني
ضد مفاوضات السلام ،لقد آلمني ذلك كثيرا إذ لا يمكن لي أن أتعامل مع
المفاوضات من خلال الكتابة عن غرناطة
.
هذا التعليق الدرويشي الأخير هو الموضوع المحوري للقراءة النقدية
الكاملة حين يقرأ النص بناءا على قراءات رديفة لظروف الكتابة وظروف
الكاتب نفسه، وهنا تبدو المفارقة العجيبة بين بين الذات الدرويشية
الشاعرة المجردة عن دلالات المكان والزمان والموقعية السياسية ؛ وهنا
نحن بحاجة ماسة –كي نفقه النص الدرويشي ان نلم ببعض التفاصيل
الموضوعية من سيرته الخاصة
انا لا استطيع ان أقرأ النصوص الدر
ويشية بعد العودة من المنفى مع المشروع التسووي مغفلا ذلك التعاقد
الضمني مع النهج السلطوي السلمي ؛ وقد قرات معظم الاعداد التي حررها
درويش في مجلة الكرمل فلم المح أثرا واحدا لوردية الدم وذهبية
التراب وتاريخ البعد الجغرافي الذي حلم به الشاعر في منفاه
اذن نحن هنا امام صورتين متناقضتين / السياسي المثقف
والشاعر السياسي ،وهما -في عرف من مهر الفن والسياسة –لا يلتقيان
إلا بشروط موضعية تقدح باحد بنود الصدق المطلوبة في التجربة الشعرية
واعني بذلك وجوب التضحية باحد الصدقين :الفني او الاخلاقي ؛ولم يكن
درويش أول من وقع في هذا التناقض ، فقد سبقه اميل حبيبي الذي سرعان
ما يلحظ القارئ ذلك التناقض الواضح بين مقالاته السياسية ونصوصه
الروائية ، وقد اعترف نفسه بذلك ؛ فقال :
"اختياراتي السياسية تمنعني أحيانا من قول كل شيء ، ولا أكتب إلا حين
أكون مستعدا لأن أقول كل شيء . هنالك أحيانا ضرورات سياسية ومتطلبات
ديبلوماسية لا تجعل الإنسان يتصرف كما يشتهي اضطر مرات أن أسكت ،
ومرات أخرى اضطر فيها إلى أن أبتسم في وجه عدوي وأصافحه . وأجد مرات
أخرى طريقا وسطا من أجل استمرار الحركة السياسية ولكن في الأدب فأن
ذلك غير جائز إطلاقا
ويضيف : أنا موثق في التاريخ والسياسة ، ولكن في الأدب فأنا لم
أعمل موثقا ، الموضوع الذي لا أستطيع قول كل الحقيقة فيه لا أكتبه ،
عندما أكتب الأدب فأنا أكتب كل شيء ، وأما في السياسة فأنا أسايس ،
هنال فرق بين العمل السياسي والعمل الفني فالعمل السياسي يحتاج إلى
دبلوماسية ، أما العمل الفني فيجب أن أكون صادقا
-ولدينا حتى
الان ثلاث مشاركات رائعة
من الشاعر والناقد رمضان عمر تحت العناوين الاتية
1-قراءة
في الأدب الفلسطيني المقاوم -الفصل الاول -
2- قصائد مقاومة 3-
جدار الخوف والهزيمة
وقد تفضل
فكتب لنا العبارات الرقيقة الاتية وهو يهدينا مشاركاته القيمة فشكرا
له
*
كنت ابحث عن مواضيع في الادب الاسلامي فاكتشفت موقعكم تصفحته فاعجبني
كثيرا
ارجو ان تقبلو هذه المشاركات الاولية ولكم مني الكثير لاحقا
الشاعر الفلسطيني رمضان عمر / نابلس
امين محمد بخاري